فخر الدين الرازي

15

تفسير الرازي

عنه يكون أعظم أنواع العقاب لكونه قادراً على ما لا نهاية له ، وأنه لا قدرة لأحد على دفعه ومنعه مما أراد . والقول الثاني : أن النفس ههنا تعود إلى اتخاذ الأولياء من الكفار ، أي ينهاهم الله عن نفس هذا الفعل . ثم قال : * ( وإلى الله المصير ) * والمعنى : إن الله يحذركم عقابه عند مصيركم إلى الله . * ( قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ واللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ) * . إعلم أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء ظاهراً وباطناً واستثنى عنه التقية في الظاهر أتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية ، وذلك لأن من أقدم عند التقية على إظهار الموالاة ، فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سبباً لحصول تلك الموالاة في الباطن ، فلا جرم بيّن تعالى أنه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر ، فيعلم العبد أنه لا بد أن يجازيه على كل ما عزم عليه في قلبه ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : هذه الآية جملة شرطية فقوله * ( إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه ) * شرط وقوله * ( يعلمه الله ) * جزاء ولا شك أن الجزاء مترتب على الشرط متأخر عنه ، فهذا يقتضي حدوث علم الله تعالى . والجواب : أن تعلق علم الله تعالى بأنه حصل الآن لا يحصل إلا عند حصوله الآن ، ثم إن هذه التبدل والتجدد إنما وقع في النسب والإضافات والتعليقات لا في حقيقة العلم ، وهذه المسألة لها غور عظيم وهي مذكورة في علم الكلام . السؤال الثاني : محل البواعث والضمائر هو القلب ، فلم قال : * ( إن تخفوا ما في صدوركم ) * ولم يقل إن تخفوا ما في قلوبكم ؟ . الجواب : لأن القلب في الصدر ، فجاز إقامة الصدر مقام القلب كما قال : * ( يوسوس في صدور الناس ) * ( الناس : 5 ) وقال : * ( فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور ) * ( الحج : 46 ) .